تحت نفس المطر

تحت نفس المطر mixa tv: 


في مدينة لا تتوقف فيها السماء عن البكاء شتاءً، كانت الأرصفة تحفظ أسرار العابرين أكثر مما تحفظ آثار أقدامهم. هناك، حيث المطر لا يُعدّ مجرد طقس بل شاهدًا صامتًا على الحكايات، بدأت قصتهما.

 تمشي مسرعة، معطفها الخفيف لا يقيها برد الجو ولا برد الحياة. لم تكن تخاف المطر، بل اعتادت أن تخفي دموعها خلفه. منذ صغرها، تعلمت أن الاعتماد على أحد مخاطرة، وأن الانتظار قد يكون خيبة مؤجلة. عاشت سنواتها وهي تبني جدارًا غير مرئي حول قلبها، جدارًا لا يراه أحد… لكنه كان عاليًا بما يكفي ليمنع الألم من الدخول، والحب أيضًا.

أما هو، فكان يقف تحت مظلة سوداء، لا تحميه من شيء سوى نظرات الناس. نشأ في بيت كبير، لكنه كان فارغًا من الدفء. تعلّم النجاح قبل أن يتعلم المشاعر، وحُمل على كتفيه عبء التوقعات قبل أن يُسمح له بأن يخطئ. كان يملك كل شيء… إلا الشعور بالانتماء.

لمشاهدة الحلقة 1 هنا

لمشاهدة الحلقة 2 هنا

التقيا صدفة.

لا موعد، ولا تخطيط، فقط شارع ضيق ومطر غزير ولحظة تردّد.

اصطدمت به دون قصد، تناثرت أوراقها على الأرض، واختلطت بالماء. انحنى ليساعدها، وحين تلاقت أعينهما، ساد صمت غريب، كأن المطر توقف لثوانٍ احترامًا لتلك اللحظة. لم يتبادلا الكثير من الكلمات، لكن شيئًا ما تغيّر داخلهما، شيء لا يُفسَّر.

افترقا سريعًا، ظنّا أن اللقاء سيمر كغيره، لكن الأيام كانت تخبئ لهما ما هو أكثر.

بدأت المصادفات تتكرر. شارع، مقهى، محطة حافلات… وفي كل مرة كان المطر حاضرًا، كأنه يصرّ على جمعهما. شيئًا فشيئًا، تحوّلت النظرات إلى أحاديث قصيرة، ثم إلى ضحكات خجولة، ثم إلى صمت مريح لا يحتاج للكلام.

بدأت هي تشعر بالخوف.

القرب يربكها، والاعتياد يُرعبها.

أما هو، فبدأ لأول مرة يشعر بأنه يُرى كما هو، لا كما يريد الآخرون أن يكون.

لكن الحياة لا تُعطي دون أن تأخذ.

ظهرت الفوارق بوضوح:

هو من عالمٍ مفتوح الأبواب، وهي من عالمٍ تعلّم أن يطرق قبل أن يدخل.

هو يملك خيارات، وهي اعتادت أن تختار من المتاح فقط.

ضغط العائلة، ثقل الماضي، كلمات قيلت في لحظات غضب، وصمت طال أكثر مما يجب… كل ذلك بدأ يصنع مسافة بينهما. لم يكن الخلاف صاخبًا، بل مؤلمًا، هادئًا، يشبه المطر حين ينهمر بلا رعد.

افترقا.

ليس لأن الحب انتهى، بل لأن الخوف كان أعلى صوتًا.

كل واحد منهما ظنّ أنه يحمي الآخر بالابتعاد.

مرت السنوات، تغيّرت الوجوه، كبرت الأحلام أو انكسرت. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: كلما هطل المطر، عادت الذكريات. كانت هي تقف أحيانًا قرب النافذة، تبتسم بحزن، وهو يسير بلا مظلة، كأنه يعاقب نفسه.

وفي يومٍ ما، عاد المطر كما كان… غزيرًا، صادقًا، بلا تردد.

التقيا من جديد، في المكان ذاته تقريبًا، لكنهما لم يعودا الشخصين نفسيهما. كانت الندوب أوضح، لكن القلوب أكثر صدقًا. لم يتسرعا بالكلام، فقط نظرا إلى بعضهما طويلاً، كمن يعترف بكل شيء دون حروف.

قالت أخيرًا:

“ربما لم نكن جاهزين حينها.”

أجاب بهدوء:

“لكننا كنا صادقين.”

لم يعرفا إن كان الطريق سيجمعهما من جديد أم سيفترقان مرة أخرى، لكنهما أدركا حقيقة واحدة:

أن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا ليغيّرونا للأبد، حتى لو لم يبقوا.

ومهما تفرقت الطرق، سيظل هناك مطر…

وسيظل هناك قلبان التقيا يومًا

تحت نفس المطر 🌧️

google-playkhamsatmostaqltradent